تبيان

تجريبي
العودة إلى القائمةلهذه المادّة رابط دائم يمكنك مشاركته.
م7تاريخ الأديان ونصوصها2 دقيقة قراءة

حفظ القرآن: الإسناد والمخطوطات

كيف حُفظ القرآن بركنين معاً — نقلٌ شفويّ متواتر وتدوينٌ مبكّر — وما تقوله المخطوطات الأولى.

حُفظ القرآن بركنين متلازمين لا بواحد: نقلٌ شفويّ متواتر عبر أسانيد متّصلة، وتدوينٌ خطّيّ بدأ في حياة النبي ﷺ. وأكثر ما يقع فيه الخلط أن يُنظر إلى أحدهما وحده، فيُقاس القرآن على كتب نُقلت بالكتابة وحدها.

وهذا المقال يعرض الركنين، ثم ينظر في ما تقوله المخطوطات الأولى، ثم في ما أورده الباحثون الغربيون على النصّ.

النقل الشفويّ والإسناد

لم يكن حفظ القرآن حفظاً فردياً يتناقله آحاد، بل تواتراً: ينقله في كل طبقة جمعٌ عن جمعٍ يستحيل تواطؤهم على الكذب. وهذا وحده يفرّقه عمّا نُقل بخبر الواحد.

وقد بقي هذا النقل متّصلاً إلى اليوم: يقرأ الطالب على شيخه القرآن كلّه سماعاً وعرضاً، ويُجيزه شيخه بسندٍ متّصل. فالنصّ لا يُتلقّى من مصحفٍ مطبوع، وإنما من صدرٍ عن صدر، والمصحف شاهدٌ عليه.

وعلى هذا لو فُقدت المصاحف كلّها لبقي النصّ محفوظاً في صدور الحافظين، وهم في كل جيل ألوف. وهذا ما لا يُتصوّر في كتابٍ نُقل بالكتابة وحدها.

ما تقوله المخطوطات الأولى

بدأ التدوين في حياة النبي ﷺ على ما تيسّر من العُسُب واللِّخاف، ثم جُمع في عهد أبي بكر رضي الله عنه، ثم نُسخت المصاحف في عهد عثمان رضي الله عنه وأُرسلت إلى الأمصار.

وقد بقيت من المصاحف الأولى قطعٌ في المتاحف، منها ما في جامعة برمنغهام وما في المكتبة الوطنية بباريس ومخطوطات صنعاء. ودُرست بالفحص الإشعاعيّ للرقّ، فجاءت تواريخها في القرن الأول للهجرة.

وما فيها يوافق المصحف المتداول اليوم في ترتيب السور والآيات ونصّها. وما يُلحظ فيها من فروق يرجع إلى رسم المصحف الأول — كان بلا نقطٍ ولا شكل — لا إلى اختلاف في النصّ المقروء.

ما أُورد على النصّ والجواب عنه

طبّق بعض الباحثين الغربيين على القرآن مناهج النقد النصّي التي وُضعت لدراسة العهد الجديد. وهذه المناهج قامت على أصلٍ واحد: أن النصّ نُقل بالنسخ، فيُقابَل بين النسخ ليُستخرج الأصل.

والإشكال أن هذا الأصل لا ينطبق على القرآن، لأن نقله لم يكن بالنسخ وحده. فالمصحف عند المسلمين شاهدٌ على المحفوظ لا مصدرٌ له، والقراءة تُتلقّى من شيخٍ لا من ورقة.

ومن هنا يُفهم ما يُثار من فروق في المخطوطات الأولى: هي فروق في الرسم لا في المقروء. فالمصحف الأول كُتب بلا نقطٍ ولا شكل، ليحتمل وجوه القراءات المتواترة كلّها؛ فما يبدو للناظر اختلافاً في الكلمة هو في الحقيقة خطٌّ واحد يحتمل قراءتين ثابتتين معاً.

خاتمة

فالركنان يشهد كلٌّ منهما للآخر: النقل الشفويّ يحفظ المقروء، والمخطوطات تشهد أن المكتوب لم يتغيّر. ولو انفرد أحدهما لبقي للناظر مجالُ شكّ، فاجتماعهما هو موضع الحجّة.

المراجع
  • جامع البيان
  • تفسير ابن كثير
  • البداية والنهاية